علي بن محمد البغدادي الماوردي

36

أدب الدنيا والدين

تميل إليه نفوسهم من الأموال المقتناة « 1 » والطرف « 2 » المشتهاة أولى أن يكون إقبالهم عليها وأحرى « 3 » أن يكون اشتغالهم بها . وقد قال ابن المعتز « 4 » في منثور الحكم : العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلا والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما وهذا صحيح ولأجله انصرفوا عن العلم وأهله انصراف الزاهدين وانحرفوا عنه وعنهم انحراف المعاندين لأن من جهل شيئا عاداه . وأنشدني ابن لنكك لأبي بكر بن دريد « 5 » : جهلت فعاديت العلوم وأهلها * كذاك يعادي العلم من هو جاهله ومن كان يهوى أن يرى متصدرا * ويكره لا أدري « 6 » أصيبت مقاتله وقيل لبرز جمهر : العلم أفضل أم المال فقال بل العلم قيل : فما بالنا نرى العلماء على أبواب الأغنياء ولا نكاد نرى الأغنياء على أبواب العلماء فقال ذلك لمعرفة العلماء « 7 » بمنفعة المال وجهل الأغنياء بفضل العلم . وقيل لبعض

--> ( 1 ) المقتناة : المكتسبة . ( 2 ) والطّرف : بضم الطاء ، جمع طريف ، يقال : مال طارف وطريف : حديث مستحدث ، ويقابله التالد والتليد . ( 3 ) وأحرى : وأليق . ( 4 ) ابن المعتز : باللّه ، من أقدم شعراء العرب في الأوصاف والتشبيهات أخذ من المبرد وثعلب ونحوهما ، ومن المنقول أن ابن المعتز مع كماله وغزارة فضله كان لم يزل منغصا في حدة حياته ، بويع له بالخلافة وظن أن الحظ قد تنبه له ، فلم يتم الأمر له إلا يوما واحدا ، ثم قبض عليه وقتل رحمه اللّه . ( 5 ) ابن دريد : على وزن زبير : محمد بن الحسن البصري ، إمام عصره في الأدب والشعر واللغة ، صاحب كتاب الجمهرة ، عرض له في رأس التسعين من عمره الفالج فسقي له الترياق فبرأ ، ثم عاوده بعد أحوال ، فكان يحرك يده حركة خفيفة ، وكان مع هذا الحال ثابت الذهن ، كامل العقل ، توفي سنة 321 . ( 6 ) لا أدري : إذا سئل عما لا يعرف حكمه . ( 7 ) لمعرفة العلماء بمنفعة . . . كان هذا ، أو هذا في العلماء الذين وصلهم علمهم باللّه ، فأدركوا الحقائق ، أما اليوم فقد رأينا من هم على علم جم يخرون للأذقان في سبيل دنيا يصيبونها من غنى ، أو مركز ينالونه من حاكم . فتراهم على أبواب الأغنياء والأمراء كالقمامات المنبوذة على الأبواب ، فيضعون قدرهم ، لا قدر العلم ، ويجنون على مقامهم لا على مقام العلم . ولو أنهم عرفوا اللّه بما علمهم لكان لهم شأن آخر من الاحترام والتقدير : ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في الصدور عظمهم . ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا * محباة بالأدران حتى تجهما